رام الله - صوت الحرية - حياة وسوق - نادر القصير
في غزة، آلاف من حاملي الشهادات ينضمون سنويا إلى صفوف البطالة.. مستقبل مجهول ليست له معالم.. كفاءات أكاديمية تختبئ خلف البسطات أحيانا بعد أن ارهقت الآباء ماديا.. أحلامهم البسيطة في الزواج وبناء أسرة وبيت يؤويهم تحول إلى غاية مستحيلة في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية وندرة فرص العمل المتاحة في قطاع غزة وتردي سوق العمل إلى أدنى مستوياته في ظل الحصار وحالة الانغلاق الاقتصادي التي تعاني منها قطاعات اقتصادية عديدة.
وفي ظل استمرار هذه الحالة لم يجد العديد من الخريجين مفرا لمواجهة الفقر سوى الدخول إلى سوق العمل عبر مهن لا تتوافق مع قدراتهم ويحكم عليها بالفشل في أغلب الأحيان، حالة من الغليان في صفوف أولئك الذين قضوا سنوات خلف مقاعد الدراسة من الاجتهاد والتحصيل لبلوغ أمانيهم في الحصول على شهادة جامعية أو درجات أكاديمية متقدمة تبخرت أمام واقع مرير لا يرحم طموحاتهم في حياة كريمة تحفظ كرامتهم.
باعة متجولون بشهادة جامعية
وفرضت الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السواد الأعظم في قطاع غزة، أنماطا جديدة دفعت العديد من الخريجين إلى البحث عن مهنة تساهم ولو بالقليل في تغطية مصاريفهم الشخصية أو مساعدة ذويهم في توفير لقمة العيش.
على بوابة احدى مدارس "الأونروا" برفح يقف الخريج ماجد عاطف خلف بسطة لبيع الحلويات لطلاب المدرسة.
يقول عاطف: "كنت مدرسا ضمن برنامج البطالة المؤقت في هذه المدرسة قبل شهور، والآن أقف لبيع الحلويات على بابها، أنا لا أشعر بالخجل من ذلك، لكن يعتصر قلبي على تلاميذي عندما يرون مدرسهم يبيع الحلويات على باب المدرسة، لست أدري كيف سينعكس هذا المشهد عليهم؟ وكيف سيفسرون هذا التناقض؟".
وأضاف: "الظروف الاقتصادية الصعبة دفعتني لامتهان هذا العمل بعد أن انقضت فترة البطالة"، مشيرا إلى أن فرص العمل محدودة في قطاع غزة وانه يوجد عشرات الآلاف من الخريجين مثله الذين لم تمنحهم الحياة فرصة الحصول على وظيفة تلائم شهاداتهم حتى اللحظة.
أما الشاب علاء طه الحاصل على درجة الماجستير في الإدارة المالية فيقف على دوار العودة أمام "توكتوك" حصل عليه بعد أن دخل والده في جمعية لشرائه يبيع عليه البيض، ومطلوب منه تسديد ثمنه عبر دفعات للجمعية.
يؤكد طه أن مشاريع البسطات أصبحت الملاذ الوحيد أمام الخريجين الذين حرثوا الأرض بحثا عن وظيفة دون جدوى.
وأضاف: "لا يمكن الجلوس في البيت لانتظار فرصة الحصول على وظيفة، فحتى الانتظار أصبح دربا من الخيال في ظل تزايد أعداد الخريجين سنويا"، مشيرا إلى انه بعد الحصول على "التوكتوك" توجه إلى احد أصحاب مزارع الدجاج البياض واتفق معه على ان يعطيه كمية من البيض يوميا لبيعها وان يعيد ثمنها له مقابل نسبة من الأرباح.
وقال: "حجر يسند الخزان، لكن لا يمكن أن أصل لمرحلة أساهم فيها ببناء مستقبل من هذه المهنة". واضاف: "لكني كغيري من الخريجين إذا جلست بالبيت سأصبح عديم الفائدة وسأفقد شعوري بكياني وشخصيتي تدريجيا، لذلك لم أتردد ولو للحظة عندما عرض عليّ هذا العمل من والدي".
نظرة احترام وتقدير
وأصبحت مشاهد الخريجين خلف البسطات عادية جدا ومستوعبة من قبل المواطنين، بل ومحل تقدير واحترام للباحثين عن لقمة عيشهم دون خجل.
ويؤكد المواطن سمير زعرب أن علاء صديق دراسة وانه كان متفوقا جدا. ويضيف: "كنت أتوقع كغيري من الطلاب والمدرسين ان يكون له مستقبل باهر، لكن للأسف الظروف المعيشية صعبة، وانتهى به المطاف لامتهان بيع البيض".
وقال زعرب: "ما فعله علاء زاد من احترام وتقدير كل من يعرفونه ولم ينتقص من كرامته شيئا، بل على العكس فان ما قام به يمثل قدوة للشباب ويمحو الشعور بالخجل الذي يحد من التقدم والإبداع ويقلل من القدرة على تحمل أعباء الحياة وقسوة العيش".
وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بالشكاوى والمناشدات من الخريجين، والأحاديث عن ندرة العمل ونشر الكاريكاتيرات التي توحي بالمثل القائل "بلها واشرب ميتها" ، تعبيرا وبأسلوب ساخر عن مأساة الخريجين العاطلين عن العمل.
ولا يجد المشاركون سوى بعض من كلمات المواساة والمشاركات المعبرة عن التعاطف والتقدير لمن ذهب يبحث عن مهن أخرى ليوفر قوت يومه.
غياب التخطيط
الخبير الاقتصادي عدنان أبو حسين يرى أن البطالة المستشرية تعود بالأساس لغياب التخطيط، وعدم التنسيق بين الوزارات السيادية، وترك المجال والخيار مفتوحا أمام الجميع لاختيار التخصصات، دون البحث والتدقيق في احتياجات سوق العمل، والعمل على تنمية الاقتصاد. وقال: "من دون العمالة المنتجة، يظل هدف بلوغ مستويات لائقة من العيش، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتحقيق الذات، أمرا من قبيل الوهم"، مبينا أن منظمة العمل الدولية اعتمدت اتفاقية سياسة العمالة، لكن يلاحظ في الوقت ذاته عدم وجود إجماع على السياسات الأقدر على خلق الوظائف، فالبعض يعتقد أن ذلك يتوقف على النمو، بينما يرى آخرون أنه يتوقف على مرونة سوق العمل.
وتابع أبو حسين: "يعتقد البعض أن الحل يكمن في المهارات والقدرات البشرية، بينما يرى آخرون أنه يكمن في سياسات توضع من أجل تقاسم العمل المتاح، ومشكلة البطالة تعد من المشكلات الاقتصادية، والفقر مشكلة اقتصادية سببها انعدام الدخل أو انخفاضه، وبالتالي تكون البطالة مشكلة اقتصادية بحتة".
وأشار أبو حسين إلى أن فتح سوق العمل بالخارج قد يكون سياسة صائبة في ظل تزايد أعداد الخريجين سنويا، لكن المستوى المعيشي في قطاع غزة يحتاج إلى توفير فرص عمل وان كانت خارج البلاد يشترط بها أن تدر دخلا يتوافق مع المستوى المعيشي، حتى لا يهدر العامل أو الخريج المغترب سنوات من عمره دون أن يستطيع تكوين أسرة أو توفير سكن أو جمع مال يمكنه لاحقا من فتح مشروع يساهم في استمرارية الحصول على دخل يوفر له حياة كريمة.
