مجلة تتحدث عن صراع "الإخوة الأعداء": حرب أهلية بين حماس وداعش في غزة
تاريخ النشر : 2015-10-08 10:15

بعد سوريا والعراق وليبيا وأماكن أخرى، تحاول داعش أن تضع أقدامها في الجيب الفلسطيني الذي يحكمه إسلاميون من حركة حماس. وتتصاعد الحرب الضروس بين الجانبين بصورة رهيبة، بحسب ما أفاد تقرير نشرته مجلة "لوبزرفتوار" الفرنسية الأسبوعية.

هذا الدرابزين المتهالك لا يترك مجالاً للشك بأن هذا المبنى الرث في منطقة الشيخ رضوان بمدينة غزة هو المكان الذي كان يعيش فيه "يونس الحنر".

كان الحنر أحد مقاتلي الجناح العسكري لحركة حماس (كتائب القسام) في يوم من الأيام، لكنه الآن متهم بالانضمام لقوات داعش.

من حماس إلى داعش

على الحوائط الخرسانية للمبنى، تبين رسومات الجرافيتي رسائل تمجّد في داعش وأخرى تدين قوات الأمن الداخلي لحركة حماس.

ويمكن للمرء أيضاً أن يرى هناك وهناك بصمات لأقارب الحنر، مخضبة بالدماء.

كان المسلح البالغ من العمر 27 عاماً يقيم بالدور الرابع حيث قُتل في 2 يونيو(حزيران).

تقول الرواية الرسمية لحماس أن الحنر قاوم الاعتقال وهدد بإطلاق متفجرات لفها حول جسده.

ولكن هناك قصة مختلفة تحكيها والدته، التي تعيش تحت شقته، وزوجته، التي شهدت مقتله في صباح ذلك اليوم. يصف الحي بأكمله مقتل الحنر بأنه إعدام بدم بارد.

تقول والدته "بسيمة" وهي تُظهر للصحيفة الفرنسية على هاتفها صورة جثة ابنها بلحيته الكثيفة ووجهه الذي تدمّر: "لم يعطوه أي فرصة، وأطلقوا النار من خلال الباب فأصابت صدره عدة طلقات. ولما اقتحموا المكان، قتلوه برصاصتين في رأسه".

وتشير الأم بيدها في صمت أنهم صوبوا فوهة سلاح ناري نحو فكها.

وتقول زوجة الضحية "ألاء" أنه إذا صادف أن أحد أطفالها الصغار قد ذهب لفتح الباب، لكان قُتل بنفس السهولة.

مطاردة  بلا رحمة

تقول المجلة: لا تعبث حماس مع المشتبه في انضمامهم لداعش، وخاصة عندما يكونوا أعضاء من صفوفها. كان الحزب الإسلامي الذي اعتلى السلطة هنا منذ عام 2007 يلاحق الجهاديين السلفيين دون رحمة في الأشهر القليلة الماضية في جميع أنحاء قطاع غزة.

وإذا كانت أسرته تفضل عدم إعطاء معلومات حول اتصالات يونس الحنر بحركة تزعم الانتساب لداعش، فإنهم واقعيون بالفعل. في شقة الأسرة، حيث تقود "ألاء" مراسل المجلة في جولة وهي في نقابها، نرى رايات داعش السوداء في كل مكان: فهي مرسومة على أحد الجدران، وعلى ملصق فوق أحد أبواب غرف النوم، بل على مغناطيس فوق الثلاجة.

أعلنت "كتائب عمر" عزمها على الانتقام لمقتل الحنر، وبدأت إطلاق صواريخ على إسرائيل في أوائل يونيو (حزيران). وكتائب عمر هي مجموعة سلفية محلية تدعم داعش. وفي 30 من الشهر نفسه، نشر "أنصار بيت المقدس"، وهي فرع لداعش في سيناء، لقطات فيديو تتهم "طغاة حماس" بالتهاون في تطبيق الشريعة الإسلامية وتحذر الحركة الحاكمة بقولها: "نحن قادمون للقضاء على الدولة اليهودية وعليكم وعلى فتح. وستغزوكم جموعنا".

في 19 يوليو (تموز)، تم تدمير خمس سيارات تابعة لأجنحة مسلحة من حماس والجهاد الإسلامي بواسطة أجهزة متفجرة.

ولكن عندما سأل مراسل المجلة الفرنسية قادة حماس، يقولون إنه لا توجد مشكلة حقيقية مع داعش في غزة. في مكتبه بالطابق الـ13 من مبنى يطل على البحر، يدين أحمد يوسف، العضو البارز في المكتب السياسي لحماس، الهجمات الصاروخية قائلاً إن نقطة الاتصال الحالية الوحيدة المثيرة للقلق بشأن تجنيد داعش يقبع حاليا في السجون.

"لكننا نعمل على ’إعادة تأهيل‘ السجناء. وأنا واثق من أنهم سيتمكنون من العودة إلى أسرهم في سلام قريباً".

إن قمع أي انتفاضة للحركة الجهادية هي مسألة بقاء سياسي لحركة حماس. وعندما صعدت الحركة للسلطة في غزة، زعمت، من خلال خطابها الديني، أنها ستدافع عن الحقوق الفردية والعدالة في مواجهة القادة الفلسطينيين الفاسدين من حركة فتح. واليوم يتهم جهاديو داعش قادة حماس نفسهم بالفساد واتخاذ موقف معتدل تجاه إسرائيل.

وذكرت المجلة أن الزعم باحتكار التقوى الإسلامية وسيلة للتشكيك في الوضع القائم في إقليم غزة. في عام 2009، اضطرت حماس لسحق جماعة "جند أنصار الله" خلال عملية دموية ضد مسجد في رفح. ولقي أربعة وعشرين شخصاً مصرعهم، من بينهم زعيم المتمردين، عبد اللطيف موسى، وهو الرجل الذي ادعى إبرام تحالف مع تنظيم القاعدة واتهم حماس مراراً بأنها متساهلة جدا مع العدو.

ومع تغير الوقت، تغيرت الرموز أيضاً، كما يوضح زياد ميدوخ، مدير قسم الدراسات الفرنسية في جامعة الأقصى.

يقول زياد: "اليوم، إن إطلاق اسم الدولة الإسلامية (داعش) يُحدث تأثيرا دولياً. ولكن لا توجد أرض خصبة حقيقية لداعش في إقليم غزة مقارنةً بسوريا والعراق".

مخاوف مسيحية

لكن الكاهن الكاثوليكي المحلي الأب ماريو يرى الوضع بصورة مختلفة جدا: "نحن خائفون جداً أن تتمكن (داعش) من الانتشار في غزة. فنحن لا نستطيع حتى الفرار!"

ويضيف الكاهن الشاب، الذي ظل في غزة لمدة ثلاث سنوات، أن هناك 1200 مسيحي في المنطقة بينهم 130 كاثوليكي. "لا تمنحنا إسرائيل تصاريحاً لمغادرة القطاع. يستفيد البعض من التصاريح التي تُمنح في عيد الميلاد للذهاب إلى بيت لحم ولا يعودون أبداً".

يخشى الأب ماريو أن يقوم أنصار داعش بمهاجمة جاليتهم الصغيرة من أجل كسب أتباع جدد وأن تفقد حماس قدرتها على السيطرة في نهاية المطاف.

قامت السلطات بوضع نقاط تفتيش ليلية في جميع أنحاء غزة لأغراض الحراسة ضد عناصر داعش، ودمرت حماس مسجداً غير رسمي في دير البلح، في وسط القطاع الفلسطيني، كان يُعتقد أنه أرض خصبة للجهاديين.

يؤكد الصحفي حسن جبر أنه كان يعرف المكان جيداً، "حضرت صلاة الجمعة فيه منذ فترة، وكان الخطيب يدعو فيه بالنصر لجماعة داعش".

ويختبئ اليوم جميع المسلحين الذين لم يُزَج بهم في السجن.

ويؤكد جابر الذي يعد أحد أول الصحفيين الذين أفادوا بزيادة عدد الجهاديين الجدد في غزة "أننا لا نستطيع مقابلة أحد منهم، لأنهم لا يثقون بأي شخص".

محاربون لأغراض خاصة؟

تقول المجلة إن أسر الجهاديين يحدوهم الأمل في سرعة الإفراج عن ذويهم، وليس لديهم رغبة في إثارة غضب حماس. تقول والدة محمود، أحد الجهاديين السجناء: "ابني لم يفعل شيئاً".

تقع الشقة الصغيرة للمرأة في مخيم الشاطئ، وهو مخيم للاجئين بُني في عام 1948 لاستيعاب الفلسطينيين الذين فروا من يافا واللد وبئر السبع. الفقر هنا مستوطن، وتعمل الكهرباء لبضع ساعات فقط في اليوم، ومياه الصنبور شحيحة وتعمل بأنظمة ضخ كهربائية.

تقول والدة محمود أن ابنها انتهى به المطاف في السجن لأنه حارب مع السلفيين في الحرب الأخيرة ضد إسرائيل في صيف 2014. "هناك مجموعات تكوّنت من تلقاء نفسها، واشترت سلاحاً حسب قدراتها. وهم مجرد مجموعة من الناس يريدون المقاومة".

أمام الباب الأمامي لشقة المرأة، عبر الشارع الذي يلعب فيه الأطفال الحفاة، يمكن للمرء أن يرى راية داعش السوداء، مقرونة بعبارة "أنصار الدولة الإسلامية".

لعب بالنار

لقد رسم أصدقاء محمود هذه النقوش إهداءً لحفل زفافه. لكنه اليوم يقبع في السجن وتقوم زوجته بتربية ابنه عثمان البالغ من العمر 19 شهراً بمفردها.

يقول المحامي الشاب "تعلب": "كل شيء بسبب لعبة حماس السياسية. فهم يريدون أن يظهروا كمعتدلين في عيون الغربيين الذين كانوا يتفاوضون معهم. ولكن لا ينبغي أن يلعبوا بالنار".

الأمر، كما يقول تعلب، يتعلق بالاقتصاد في في نهاية المطاف: "إذا لم يتحسن وضع الشعب، فسيحول البعض منهم وجهته إلى داعش".

بعد مرور عام على الحرب الأخيرة المدمرة وبعد عشر سنوات من انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، الوضع المعيشي هنا كارثي.

معدل البطالة وصل إلى نسبة 44٪، بينما يعيش 39٪ من القطاع تحت خط الفقر؛ ويعيش أربعة من كل خمسة من السكان بفضل المساعدة الإنسانية. وقبل كل شيء، فإن هناك 10 آلاف شخص ما زالوا يبحثون عن سكن دائم. في منطقة الشجاعية، شرق مدينة غزة، دمر الجيش الإسرائيلي أحياء بأكملها متصلة بالأنفاق التي حفرها المسلحون للتسلل إلى الدولة اليهودية.

وهنا، في خيمة، في منتصف قطعة أرض فضاء، تعيش أسرة "شمالي".

تقول صباح: "زوجي كان عضواً في كتائب عز الدين القسام، وقد قُتل هنا دفاعاً عن أراضينا. وبعد مرور عام، ما زلنا بدون منزل".

وقالت باستنكار: "ماذا تفعل حماس؟ ما هو مستقبل أطفالي وهم بلا أب، ولا سقف، ولا فرص عمل؟"

من عباءة حماس

يخشى حسن جابر أن لا تتمكن حماس في نهاية المطاف من إيقاف داعش، ويرجع ذلك جزئياً إلى إمكانية صعود داعش من داخل حماس نفسها.

"هناك الكثيرون الذين يعارضون المفاوضات الجارية مع إسرائيل.

وهناك تعاطف قوي مع الحركة الجهادية الناشئة داخل الحزب الحاكم نفسه"، كما يوضح الصحفي. "أليست أم يونس الحنر نفسها ناشطة من حماس؟ لقد ربت الحركة شبلاً في منزلها. لكنه ترعرع ولن يتردد في التهامهم إذا سنحت له الفرصة".