صوت الحرية - إعـداد وتوثيق / خـــــالد صــــــــيام
إن المفهوم العلمي للدراما يتحدد عن طـريق الإعــــتماد على الكلـــــمة المنــطوقـــة والمــسموعة في ان معا ، والمحاكاة هي أصل التمثيل فهي غريزة نشأت مع الإنسان البدائي وتنشأ مع كل مولود بمعنى إرتباطها بحركة الحياة في مراحلها المختلفة ، لذا تنبع الدراما من نفــــس الغريزة التمــثيلية أي المحـاكاة والتي هي أصـــل المسرح .
بدأت تظهر ملامح الدراما من خلال الفلسفة اليونانية وكتابات أرسطو الذى أرسى قواعد الشعر المسـرحي بتوصله إلى تحديد شـــكل العمل الدرامي أو الفن التمثيلي فجعل له قاعدة تـــتكون من ( المقدمة والوسط والخاتمة ) أي بمعنى ( البداية والوسط والنهاية ) كما أضاف قاعـــدة أخــــرى لفــن الدراما وهى وحـــدة الزمـــــــان والمكان ، ثم مرت الدراما بمراحل عدة فظهر الممثل إلى جانب المنشد والكورس ثم تضـــاءل عدد الكورس إلى أن تلاشــى نهائيا وحــل محـــله الممثلون وأدخـلت على مكان العرض التـعديلات والتحسينات في العصور المتعاقبة حتى وصل إلى شــكل المــسرح الذى نراه عليه الأن وبمرور الأيام أجريت التعديلات على نصوص المسرحيات التى تقدم من خـلال المـــيكرفون بالحذف والاضافة والإستعاضة عن المناظر والحركات والإنفـعالات بالشرح والتعليق وتصميم الحوار وأداء الممثلين ، وما إن نشبت الحـرب العالمية الثانية ولزم الناس بيوتهم خــــــــوفا من الغارات حتى أتيحت الفرصة للتجارب الجديدة التي أضيفت على الدراما الإذاعــية لتغزو ساعات الإرسال ليلا فتنتقل إلى جمهور المسـتمعين المتفرغين لسـماع الراديو ، منذ ذلك الحين أصبح للدراما الإذاعية شكلها الخـاص وأسلوبها المميز وجمهورها الغفير (1) .
في كتاب (فــن الإلقاء) للكاتب عبــــد الوارث عسر أورد عبارة للــــجاحظ يـــقول فيها ...( ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين ، وبين أقدار الحــــالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ، حتى يقسم الكلام على أقدار المعاني ويقســم أقدار المعاني على أقدار المقامات ، وأقدار المستمعين على تلك الحالات ، كما لا ينبـــغي أن يكون اللفــــــظ عامـيا سوقيا ساقطا ، كذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا .. ) فإذا كان كلام الجاحظ ينــطبق عـند العرب وعلى الأدب عامة فإنه ينطبق بصفة خاصة وبصورة أكثر تركيزا ووضــــــــوحا على الحوار الدرامي ، فالدراما منذ نشأتها فن تمثيلي قد يأخذ شكل الشعر بوزنه وقافـــيته وقد يتـحرر من هذين القيدين حتى يأخذ شكل النثر أحيانا (2)
فنـــــية الأداء الـــــــــــــــــدرامي
بالعوده لعبد الوارث عسر في مقولته .. ( إن فن الإلقاء هو فن النطق بالكلام على صورة توضح ألفاظه ومعانيه ... ) فتوضيح الألفاظ يندرج في إطار الجهاز الصوتي ومخارج الحروف وأما المعنى فخاص بموسيقى الصوت ومعدنه وطبقاته وتلونه ، وهــــذا ينطبق أيضا على فن الأداء حيث أنه لا خــــلاف بين الإلقاء والأداء إلا في حــــــالة واحـــدة وهى أنه في الأداء تتــــــغير شخصية المتكلم بتغير الدور الذى يؤديه وتوضيحا لذلك فإن هناك عدة قــــواعد للإلقاء والأداء أهمها ، التركيز ومعناه التأكيد على اللفظ أو الجملة التي ينــــطق بها الممـثل لإبــــراز ثقة أو معنى رئيسي في سياق الكلام ، والتركيز لا يعنى إرتفاع الصــــوت عند أداء اللفظ أو الجملة وإنما يعنى للممثل الإحساس المؤكد بأهمية اللفظ أو الجملة ، أما السكتات فهــــــي مواضــــع الوقف أثناء الحديث أي تقطيع الجمل تقطيعا فنيا بحيث تتضح معانى الأفكار وتقســــم الجمل الحوارية الطويلة إلى عــدة مقاطع يتحدد عندها الوقف فإما أن يكون كاملا فتكون الســـــــكته وينتهى بعدها المــــــعنى الكامل للجملة وتسمى السكته القاطعة وإما أن يكون الوقـــف ناقصا لأن المعنى لم يكتــــمل بـعد أى ما يزال مرتبطا بالجملة التالية ويطــــلق عليه بالوقف الناقص وتفسيرها في ادب اللــغة وعـــــلومها ( الوقف المعلق ، وقف الإيضاح ، وقف التأكيد ، الوقف الدرامي ، الوقف الإنفــعالي ، الوقف البلاغي ، وقف الإعتراض ) ، والإيــــقاع هو الريتم في الموسيقى الذى يحدد الحركة أي وحـدة النغمة التي تتحكم فيها ألة الإيـقاع رغـم أن هذه الحـركة أو وحـدة النــغمة تنظم العمل ككل لتحديد طـبيعته وشكله العام وبدون الإيقاع المتـــــطور يصـبح الأداء رتيبا وعلى وتيرة واحــــدة والتركيز أي التأكيد والتوقيت أي السرعة والبطء والإطــراد أي التطور المستمر جلها عناصر ينجم عنها الإيقاع التمثيلي (3).
وهنا لا بد من الإشارة إلى أهم المجالات التي يعتــمد الممثل فيها على التدرب والمـــــران المستمر لتحمله العبيء الأكبر في توصيل الشحنات والصــــور المخــتلفة وكل ما يخفى على المستمع من تعــبيرات وإيماءات وإيحــــاءات يفتقد رؤيتها ولا يدركها إلا من خــــلال الأداء الصوتي وفـق صـــــفات لا بد أن تـــتوفر فيه كالقدرة على الخـــيال ، والقـــدرة على التكيف وصدق الإحساس ، والجهاز الصوتي للقدرة على التلوين (4).
إن هذه الصفات والمميزات التي تعتمد على الأداء الصوتي للممثل ، حيث الإبــداع في تصور الشخصية والتكيف لإحيائها بالمعايشة وصدق الإحسـاس والتلفظ الســـليم والحـــــــركة والتــــنغيم من خلال التلوين في الأداء مع الفكرة القائمة على الحدث والحـوار المتطور، عندها تكتمل في نهاية المطاف ديناميكية الحركة والنمو في الدراما ، ومن واقع تعريف فن (الميلودراما) فهي تعنى الدراما المشوقة وتتميز بخفتها وحب المتلقي لها فيما تكتنف أحداث قصتها بالغموض والتشويق والإثارة ، أما (المونودراما) فتعتمد بالأساس على الممثل الواحد الذى توكل إليه مهمة إلقاء النص وسرده عن طريق إستخدام الحوار .
مراحــــل إنتــــاج التمــــــثيلية الإذاعــــــية
من المعروف أن الدراما تبدأ أولا بمجهود الكاتب الذى يعتبر الأساس في أى عمل درامي ، ثم تتضافر الجهود الأخرى لتقديمها للمستمع ... إلا أن العبيء الأكبر يقع على كاهل مخرج العمل كونه من يستنطق الكلمات ويحرك الأحداث ويبـــعث الحـــياة والروح في نصوص جامدة وكلمات متناثرة ، كما يخضع تنفيذ النـــص الإذاعي المــكتوب للمخرج وإمكانياته الشــخصية وخبراته الفنية كونه مطـــالب بمجهود كبير بخــياله الواسع وتركيز إهــتمامه المستمر بالأداء التمثيلى والاجواء المختلفة من مؤثرات وموسيقى تصويرية وأبعاد صوتية وإمكانيات هندسية لنقل صورة العمل إلى ذهن المستمع واضحة المعالم صحيحة الجــــوانب والأركان مسـتكملا بذلك عنصر الرؤية الذى يفتــقده المستــمع ، كون طبـــيعة عمله تخــتلف عــن عمل المخرج المسرحي والسينمائي والتلفزيوني فهو وإن كان بإستطاعته أن ينجز عمله في وقت أسرع وبجهد أقل عن مثيله من المخرجين في المجالات الأخرى (5).
لإنتاج التمثيلية الإذاعية لابد أن يمر النص المكتوب بعدة مراحـل تبدأ بقســــم الدرامـا في أى إذاعة ثم بلجنة النصوص حتى يصل إلى المخرج الذى يشــــــرع في تنفيذ مهمته ، كما لا يطمئن المؤلف بأن دوره قد إنتهي إلا بعد أن يقـــرر المخرج ذلك ، نظــرا لتجربته ومـــعرفته بإصول المهنة وإمكانيات الوسيلة للقواعد الفنية المطلوبة ، لأن النصــــوص المكتوبة أيا كــان كاتبها لا تسلم من قلمه الذى يستحوذ اهتمامه الفكرة الرئـيسة لإنـــتاج التمــــثيلية والهدف الذى ترمى اليه كما يعــــتبر المخرج موسوعة لمـــعظم الافكار المتداولة كونه مستخلصا ومستكشفا للمواقف والاحــــداث الهامة في النص المـــكتوب مع تركيزه على الجمل الحوارية ليحدد بعد قراءته الوقت الذى تستغرقه التمثيلية ، ومن ثم يطبع النص لعدة نســـــخ بعدد المشــــتركين في التمثيلية في الوقت الذى يتم إخـــتيار ( كاست الممثلين ) حســب الأدوار والشـخصيات ثم يحدد موعد إجراء البروفات قـــــبل التسـجيل ، حيث يلتقى المخرج بالممـثلين مستعرضا أهم الأحــداث مع شرح مفـــــصل للشخصيات الرئيسية محددا أبعادها ومكوناتها وميولها وطباعها ، كما يجــيب عن كـافة الإستفسارات مــــن جانب الممثلين ليقوم كل ممثل بأداء شخصيته كما رسمها المؤلف وحددها المخرج ، بعد ذلك يتم تجهيز المؤثرات الصوتية والموسيـقية اللازمة إلى جانب المـقدمة والنهاية الثابتة للتمثيلية ، فيما يتخذ المخرج مكانه في غرفة المراقبة بالإستـوديو بينما يـتخذ الممثلين أماكنهم داخـل الاستوديو أمام الميكروفون لإجـراء الإختبار الصـوتي ، ومن ثم يعـطى شارة التسجيل لمهندس الصوت لبدء العمل .
ما تقدم كان إطلالة مقتضبة عن تاريخ ومفهوم صناعة الدراما وأهميــتها كـونها تشكل فنا راقيا في عالم التمثيل والمعرفة ، ما يهمنا في هذه الدراسة التطرق للدراما في الإذاعة الفلسطينية وهى مقصدنا رغم مرورهــــا بثلاث مراحل مختلـــفة بتجاربها ومعــطياتها وظروفها حتى بشخوصها وأماكنها وهى على النحو التالي :-
أولا : مرحلة الإذاعة من عام 1936 ( هنا القدس ) و ( الشرق الأدنى ) ولغاية عام 1956
ثانيا : مرحلة الإذاعة منذ إنطلاقة الثورة الفلسطينية في المهجر والشتات من عام 1965 ولغاية عام 1993 .
ثالثا : مرحلة الإذاعة إبان قيام الســــلطة الوطنية على أرض الــوطن من عام 1994 ولغاية عام 2017 .
الدراما في الإذاعـــــــــــة الفلســــــــــطينية
المـــرحلة الأولـــــي،،،
بدأت الدراما باكرا مع ظهور إذاعة (هنا القدس) عام 1936 زمن الإنتداب البريطاني على فلسطين حيث المقر الرئيس للإستوديوهات في حي مأمن الله بالقدس وأبراج إرسالها في رام الله ، إذاعة هنا القدس تعتبر محطة تأريخ للواقع الإعلامي والأدبي والفني الفلسطيني والتي يمكن من خلالها قراءة جانب هام من تاريخ القضية الفلسطينية في تلك الحقبة وكيف إستمر العمل النضالي والمقاومة بطرق وصور متعددة وكيف إستطاع الإعلام الفلسطيني أن يقوم بدوره ويتعايش مع المراحل المختلفة التي مرت بها الحركة الوطنية دون الإبتعاد عن كونها إنعكاسا لها ورديفا لفعلها ( 6) .
منذ ذلك التاريخ كان للدراما الإذاعية هدف وطني واضح من خلال نشر ثقافة التعبئة الوطنية المناهضة للمخططات البريطانية والصهيونية معا في محاولات لطمس الحقوق الفلسطينية ، لقد كانت فلسطين موئلا للثقافة والعلم في تلك الفترة حيث قال عزمي النشاشيبي مدير الإذاعة حينها في مقدمته (للسبحة وتمثيليات أخرى) التي صدرت في كتاب جميل الجوزي تتكون البرامج الكاملة للإذاعة من ثلاث أقسام رئيسة هي الموسيقى والغناء والأحاديث والتمثيليات وأقرب هذه الاقسام إلى قلوب الطبقة المثقفة من المستمعين وأبعدها أثرا في نفوسهم هي التمثيليات بلا ريب (7) .
كما يشار إلى المدة المحددة للتمثيليات الإذاعية والتي غالبا ما كانت تبث على الهواء مباشرة بألا تتعدى الثلاثين دقيقة للمسرحية الدرامية التراجيدية وخمس عشرة دقيقة للفصل الهزلى ، وكان لفرقة الجوزي هدف فنى لخلق وعي بين أفراد الشعب في ظل أوضاع مريبة كانت سائدة في فلسطين ، حيث كان رئيسها (نصرى) يقوم بكتابة الموضوعات المستقاة من الحياة الاجتماعية والتاريخية والوطنية ، في حين كان يقوم شقيقه (جميل) بالترجمة عن مسرحيات لمؤلفين أجانب أما الشقيق الأصغر (فريد) فقد كتب الفصول التمثيلية الفكاهية وتحويلها إلى فصول تمثيلية إذاعية (8) .
وهنا نذكر قائمة لبعض أسماء المؤلفين والأعمال التي تم بثها من خلال إستوديهات (هنا القدس) وهى على النحو الأتي : -
من الأدب الإنجليزى : وليم شكسبير ، أوجين أونيل ، أوسكار وايلد ، برناردشو ،جون غولزوورثى ، أما الأدب الفرنسي : موليير ، فكتور هيجو ، فولتير ، الكسندر دوماس جان راسين ، بييركورنى ، وعن الأدب الألمانى : بيرتولت برخت ، أما الأدب الروسى : نقولا غوغول ، أنطوان تشيخوف ، ليوتولستوى ، إيفان ترجينف ، وعن الأدب العربى المصرى : أمير الشعراء أحمد شوقى ، توفيق الحكيم ، محمود تيمور ، واللبناني : فرح أنطون ، سعيد تقى الدين ، أما الأدب الفلسطينى : نصرى الجوزي تأليف ، الحق يعلو ، فؤاد وليلي ، بين الحب والواجب ، على الباغي تدور الدوائر ، معجون الحب ، عشاق التماثيل ، أشباح الأحرار.. ألخ ، ومن الفرق التي ساهمت في تقديم المسرحيات الإذاعية ( فرقة الجوزي ) والمؤلفة من جميل الجوزي ، إميل الجوزي ، فريد الجوزي ، جريس القدسي ، جوليا برامكي ، خليل خورى ، حنا خوري ، لطفى قريطم ، إميلي ساطي ، وداد خوري ، وأخيرا نجلاء حوراني ، ومن الفرق التي ســـاهمت بشكل فعال بوضــــع الأســس الفنية نذكر منها ( الفرقة التمثيلية العربية لجمعية الشبان المسيحية ) تأسست عام 1937 وتتألف من جميل الجوزي ، موسي سلامة ، إميل الجوزي ، حنا قيس ، جريس القدسي ، ماري واسيلي ، جورجيت واسيلي ، ( فرقة الثقافة والفنون ) تأسست عام 1939 برئاسة شكري السعيد وعضوية موسي الحسيني ، غالب القواس ، وأخيرا حسين العفيفي ، علما بأن الفرق التي تشكلت بين الأعوام 1942 – 1945 كانت تربو علي العشرين فرقة تمثيلية تقريبا (9) .
وبشهادة المذيع والمخرج عبد الوهاب يوسف (كبير المذيعين) في محطة الإذاعة المصرية أنذاك أثناء زيارته للإذاعة (هنا القدس) في أربعينيات القرن الماضي ، معلقا على التمثيل في فلسطين بقوله ... ( بيد أنك تجد من بين هؤلاء المهتمين بالتمثيل في فلسطين شبانا أصحاب علم بهذا الفن من حيث مبادئه وأسسه ويعلمون الكثير عن الأدب المسرحي وتاريخه منذ نشأته ثم تطوره وما وصلت إليه الأقطار العربية والأوربية في هذا المضمار وقد إستطاع بعض أصحاب الفرق التمثيلية أن يثبتوا وجودهم في تهيئة رواية الراديو سيان أكان الموضوع مؤلفا أو مقتبسا أو مترجما ) ... وهذا يؤكد مدي تزامن نشأة الدراما في الإذاعة الفلسطينية بعيد الإذاعة المصرية والتعاون المثمر بين الإذاعتين في جميع المجالات سيما وأن الاذاعة المصرية كانت السباقة في مجال الإنتاج الدرامي بخلاف أنها الأولى في الوطن العربي .
إلى جانب إذاعة هنا القدس تم تأسيس إذاعة أخري ( إذاعة الشرق الأدنى ) التي بدأت بثها من (جنين) ثم إنتقلت إلى (حي الحلوة) في يافا عام 1940 ثم إلى القدس عام 1945 وتم نصب محطة إرســـالها على أراضي بيت جالا وبعد النـكبة نقلـــت إلى قـــــبرص بتاريخ 15 / أيار / 1948 ولغاية عام 1956 ، أنتجت تلك الإذاعة في أربعينيات القرن الماضي مجموعة من التمثيليات نذكر منها (جوبتير) سيناريو وإخراج كامل قسطندي ويوسف وهبي وأعمال أخري لم تجد طريقها للتوثيق والتأريخ إلا ما ندر (10) .
يبدو واضحا بأن الهجرة القسرية بعد (النكبة) في عام 1948 التي حلت بشعب فلسطين بشكل عام ومن عمل في الاذاعة بشكل خاص مع نازية الإحتلال في السعي لمحو كل شئ يربط فلسطين بأهلها أدت إلى إختفاء موجودات وأرشيف الإذاعة حتى من البيوت الخاصة لعائلات ممن عملوا فيها أو فقدت أثناء نقلها من مقارها في القـــــدس الغربية إلى رام الله أو إنتهت في سراديب الإحتلال البريطاني الذى نقل كل ما لديه من مواد خاصة بإذاعتي ( هنا القدس والشرق الأدنى ) لأرشيف الbbc في لندن أو العصابات الصهيونية التي أجهزت على ما تبقى من تلك الذاكرة ، بإستثناء عدد من شخوص تلك المرحلة الذين كتبوا من وحى الذاكرة ما جادت به أعمالهم .
ومما هو جـــــــدير بالذكــــــــر بأن حـــــــكومة الأردن الشقيق تسلمت الإذاعة بتاريخ 15 / 5 / 1948 وأطلقت عليها ( محطة الإذاعة الأردنية الهاشمية ) بعد أن طورت محطة إرسالها التاريخية في رام الله حتى عام 1967 تاريخ إحتلال ما تبقى من أرض فلسطين ( النكسة ) (11) .
المـــرحلة الثانيـــــة،،،
نشأت الاذاعة الفلســـطينية في المنافي والشتات منذ منتصف ستينيات القرن الماضي بعد إنقطاع دام لسنوات محدودة جراء إغتصاب فلسطين وحدوث النكبة وتشتت البلاد والعباد في أصقاع الأرض ، تشكلت بعدها منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964 كإطار ناظم للقوي والأحزاب الوطنية تحت شعار وحدة وطنية ، تحرير ، تعبئة فكرية ، وإنتخاب لجنة تنفيذية والتي أقرت بدورها إنشاء الصندوق القومي وجيش التحرير الفلسطيني ، ومركز الأبحاث ومن ثم قرار إنشاء الإذاعة بغية نشر الرواية الفلسطينية وإفشاء روح المقاومة لدى الجماهير حيث إنطلقت من القاهرة علي موجات أثير إذاعة الشرق الأوسط لمدة ثلاث ساعات يوميا بإسم ( صـــوت فلــسطين ، صــــوت منظمة التحرير الفلسطينية) ومن ثم إذاعة ( صوت العاصفة ، صــوت الثورة الفلسطينية ) بتاريخ 12 / 5 / 1968 حملها الأثير علي موجات الإذاعة المصرية بساعات محدودة ، وكذا في أماكن أخرى من الوطن العربي من بغداد وصنعاء وعدن والخـــرطوم والجــــــزائر والأردن (إذاعة زمزم) ودرعا في سوريا ومن ثم بيروت وطرابلس في لبنان وتونس ، جل تلك المحطات الإذاعية عملت لساعات محدودة علي موجات إذاعات تلك الدول بإستثاء لبنان التي كانت تمتلك فيها الثورة الفلسطينية محطة إرسالها الخاصة في مرتفعات (سيبرون) قرب صيدا وأستوديوهاتها في بيروت ، تلك الإذاعات توحدت في سبعينيات القرن الماضي تحت إسم ( صوت فلسطين ‘ صوت الثورة الفلسطينية ) ونظرا لمحدودية ساعات البث الإذاعي التي كانت تتراوح من ساعة واحــدة إلى حـــد أقصى ســـت ساعات ، بحكم الإهتمام الاكبر الذى كان مخصـصا لبث أخبار وأحــــداث الأرض المحتلة وتوجيه الرسائل المشفرة لمجموعات الفدائيين إضـافة لبرامـج التعبئة الفـكرية والسـياسية والبرامج الموجهة القصيرة والأغاني والأناشيد الثورية الوطنية التي أنتجتها إذاعـة الــثورة في حينه تمثلت بإنفرادها وتميزها دونا عن الإذاعات الأخرى بقصر المادة المغناة من حيث الكـلمات القوية واللحن السريع المعبر مع أداء المجموعة بعيدا عن غناء الفرد الواحد .
وقد علق (الكاتب الكبير يوسف إدريس ) على تلك الأغاني بقوله .. ( إنني أستمع إلي الأناشيد التي تنطلق من إذاعة العاصفة إنها الأجمل والأقوي في الغناء السياسي العربي إنكم بهذه الأناشيد أهم المجددين في مجال الموسيقى الملتزمة ) .. (12) .
ثمة مفارقة غريبة تعتبر ميزة إيجابية لكل من عمل في إذاعــــات الثـــورة الفلسطينية منذ إنطلاقتها وحتى تاريخ إغلاقها في تسعينيات القرن الماضي ، لم ولــــن يذكر إسم أي من الزميلات والزملاء سواء في البرامج أو نشرات الأخبار وتعليقاتها الــسياسية أو الأعــــــمال الدرامية المختلفة إلا ما ندر وبشــــكل إستثنائي لحـــالات محدودة جدا ، كون هــــؤلاء مثلوا بمجموعهم التضـــحية بنكران الـــذات والإنصـــهار في بوتقة الفــــعل الثــوري الوطني بغية تحقيق الرسالة الإعلامية الوطنية المنشودة .
وقد سجل نبيل عمرو في كتابه صوت العاصفة ، سيرة إذاعات الثورة في المنفي عن واقعة الشهيدة (نعم فارس) المذيعة المتميزة بتقديمها مقترحات جاهزة للتنفيذ عبر أثير الإذاعة ، كان ذلك وقت الإجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت عام 1982 تحت وقع الإنفجارات والغارات الجوية المتلاحقة ورائحة الموت في كل مكان من موقع (95) حيث مقر الإذاعة وقت الحرب بتنفيذها مسلسل يومي ( سلي صيامك ) من تأليف الروائي غالب هلسة يذاع ثلاثين حلقة تحت زحمة القذائف وقت الحصار في بيروت .
