- 20:26
- 2015-10-17
رام الله _صوت الحرية _ اليكس فيشمان / السكاكين الـ 28 التي طعنت الاسرائيليين منذ 4 تشرين الاول، نجحت في الكشف عن الحقيقة المؤلمة أمام الاجهزة الامنية: “البطن الضعيفة” لدولة اسرائيل، الجبهة الداخلية قابلة للاصابة أكثر مما اعتقدنا. الحديث لا يدور فقط عن الخوف الذي تسببت به السكاكين لشعب كامل وتأثير هذا على مجريات الحياة والمعنويات الوطنية.
حظي غياب الامن الشخصي بالعناوين، لكن تحت الرادار الاعلامي كان رؤساء الاجهزة الامنية خائفين من انكشاف نقاط الضعف في الاستعدادية الوطنية للجبهة الداخلية.
مثلا الامكانية الواقعية بأن يتم اغلاق طرق رئيسة في الدولة من قبل مُخلين مُحرضين. وبالنسبة للجيش هذا الدرس لا يقل خطورة وأهمية عن دروس مواجهة الذئب الوحيد والتهيئة لامكانية اندلاع انتفاضة ثالثة.
اغلاق طرق داخل دولة اسرائيل، اضافة الى التشويش على جاهزية الجيش، الحاق الضرر بتجنيد الاحتياط والبنى الاستراتيجية، كل هذه الامور تم أخذها في الاعتبار في السابق، لكن في سياق الاعمال الارهابية المنظمة أو اطلاق الصواريخ من الجانب الثاني للحدود.
وامكانية أن يقوم مواطنون اسرائيليون مُحرضون بالحاق الضرر بالجهد الامني اثناء الحرب، تم ابعادها الى هامش الوعي. وفي التدريبات العسكرية الاخيرة التي تمت قبل بضعة اسابيع وتطرقت الى اغلاق الشوارع، تم التعاطي مع هذا السيناريو بشكل بسيط. الآن، بعد أن وصلت موجة الارهاب الحالية الى داخل الخط الاخضر، يجب ايجاد خطط تنفيذية من اجل تقوية قدرات الجبهة الداخلية كي تستطيع، الى جانب الشرطة، قمع أي تشويش كهذا.
هذا التهديد لم يولد في الشهر الاخير. فاثناء عملية الجرف الصامد تم اغلاق شارع 6 لفترة قصيرة بسبب مظاهرات العرب الاسرائيليين. وفي “عمود السحاب” عندما جند الجيش عدد كبير من جنود الاحتياط ونقل السلاح الثقيل من الشمال الى الحدود في غزة، اختار تجاوز شوارع معينة. في انتفاضة الشباب الحالية عاد هذا الموضوع وظهر بخطورته. الشباب العرب الاسرائيليين قاموا باغلاق الشوارع وتصادموا مع الشرطة. وفي حالات الطواريء، حيث يفترض أن يتم نقل وسائل عسكرية ثقيلة بسرعة الى منطقة الشمال أو الى غزة، ستعلق ساعات طويلة في الشوارع بسبب اغلاقها من المواطنين. وهذه مشكلة استراتيجية. واذا علق مواطنون تم اخلاءهم من الجبهة في الشوارع بسبب تلك الاغلاقات، فان هذه المشكلة هي مشكلة وطنية موضوعة أمام رئيس الاركان.
في الشهر القادم ستقيم هيئة الاركان دورة تلخيصية تتعلق بالامور الاساسية في مبنى القوة العسكرية. ومعقول جدا الافتراض أن موضوع غياب السيطرة على المواطنين الاسرائيليين اثناء حالة الطواريء سيُطرح هناك، وسيكون على قيادة الجبهة الداخلية اعطاء الاجابات.
العمى الاستخباري
بعد اسبوعين على اندلاع الموجة الارهابية، ما زالت الصورة غير واضحة، والاجهزة الامنية لا تعرف كيف تسمي هذه الموجة الحالية. فهي لا تشبه الانتفاضة الاولى أو الثانية، لهذا لم تتم تسميتها بعد.
مصدر رفيع المستوى يعتقد أنه اذا لم يدخل عنصر جديد الى المعادلة في الايام القادمة، مثل عملية كبيرة أو خطأ اسرائيلي ضد الفلسطينيين، فان تراجع العنف سيستمر. لكن هذا شيء تكتيكي ومؤقت ومن شأنه أن يتغير خلال يوم أو شهر أو نصف عام. حتى وإن تراجع العنف فان المسألة مسألة وقت الى أن تندلع الاحداث القادمة. كم من الوقت؟ المجربون والخبراء لا يتجرأون على التنبؤ.
الاحداث الحالية، كما قال مصدر عسكري رفيع المستوى، لها كوابح: في غزة حماس تكبح وفي يهودا والسامرة تقوم بذلك السلطة الفلسطينية واجهزتها الامنية، حيث أن التنظيم لا يشجع العنف. وهم لا يقومون بذلك لاسباب انسانية. حماس والسلطة والحركة الاسلامية في اسرائيل يريدون تأجيج الوضع، لكن ليس في مناطقهم لأنهم غير مستعدين لدفع ثمن فقدان السيطرة على جمهورهم. لهذا من المريح لهم أن يتركز العنف في القدس وحول موضوع الحرم.
خطاب الأمة الذي ألقاه أبو مازن يعكس التناقض بين موقفه الداعي الى العنف وبين ضعفه وضعف شرعية سلطته. فهو يخشى من أن الشارع اذا لم يخرج ضد اسرائيل سيخرج ضده. والنتيجة: التضامن علنا مع المتظاهرين الى جانب تعليمات واضحة للاجهزة الامنية لكبح العنف.
حماس من ناحيتها بدأت في يوم الاربعاء الماضي العمل على ابعاد المتظاهرين عن الشريط الحدودي في غزة قبل أن تفقد السيطرة عليهم. جهاز الحفاظ الحدود المسؤول عن حماية الشريط الحدودي مع اسرائيل الذي اختفى، عاد الى المكان وأعاد المتظاهرين الى داخل القطاع.
حماس وأبو مازن يتعرضون في الآونة الاخيرة للضغط من المصريين والاردنيين لوقف التدهور. وقد كان للقيادة الاسرائيلية دور كبير في هذا الامر. في المقابل توجد لاسرائيل قنوات اتصال مستقلة مع حماس بوساطة القطريين وغيرهم، ونقاش التهدئة يدور في هذه القنوات ايضا.
تصعب معرفة اذا كان هذا الكبح سيعمل لفترة طويلة. لكن هناك شيئا واضحا: في الاتفاقية بين المواطن والدولة، الدولة لم تفي بالتزاماتها. كل مواطن يتوقع أن يخرج الى الشارع بدون خوف، وهذا لم يحدث. لأن دولة اسرائيل لا تريد أن تواجه فعليا اسباب موجة العنف الحالية ولا تستطيع تقدير الاتجاهات واعطاء جدول زمني. الحل الذي لديها هو حل القوة بجميع الوسائل التي تملكها.
حينما يقرر شخص أو مجموعة فعل شيء بدون تحضيرات سابقة، لوجستية أو غطاء من تنظيم ارهاب ممأسس، فالاستخبارات لا تملك الافضلية. في هذه الحالة الطريقة الوحيدة لمنع الارهابيين من الوصول الى موقع العملية هي بواسطة الفصل الفيزيائي والجغرافي. وقد قرر الكابنت في هذا الاسبوع وضع الحواجز في الاحياء في القدس وفحص من يدخل اليها ويخرج منها مع امكانية منع الدخول أو الخروج بشكل كامل.
الشرطة لا تعرف كيفية الاغلاق والحصار. ومن اجل الحصار الناجع على منطقة معينة هناك حاجة الى معلومات تكتيكية: مشاهدات من الجو والارض، ملف معلوماتي يشمل المباني والشوارع الرئيسة والنقاط الاستراتيجية وما أشبه. ومن اجل جعل عمل الشرطة أكثر فاعلية فقد تبرع الجيش بوحدات لجمع المعلومات تشمل المراقبين والطائرات بدون طيار وغيرها. هذا الامر انشأ اشكالية حيث أن قوات الجيش الاسرائيلي تجمع المعلومات عن الذين يحملون بطاقات الهوية الزرقاء، والجيش يساهم ايضا، اضافة الى “الشباك”، في موضوع معالجة الشبكات الاجتماعية. إلا أنه محظور على الجيش فعل ذلك أمام المواطنين دون الاعلان عن حالة الطواريء.
وزير الدفاع أصدر توجيهاته للقيام بجهود كبيرة لمنع انتشار الاحداث من القدس الى الضفة الغربية وغزة. وفي اطار هذه السياسة قدمت قيادة المنطقة الوسطى ومنسق العمليات في المناطق موقفا واضحا يقضي بعدم فرض الحصار على الضفة الغربية، وعدم تقييد خروج العمال الفلسطينيين للعمل، سواء في اسرائيل أو في المناطق الصناعية المشتركة، رغم طلب وزراء في الكابنت فرض الحصار على المناطق، حيث تم تبني موقف الاجهزة الامنية بشكل كامل.
سياسة وزير الدفاع فرضت ايضا الرد على اقتحام الحدود في غزة: طالما أن هذا الاقتحام لا يُعرض غلاف غزة للخطر، فان اطلاق النار يتم على الأرجل. وقد أصيب العشرات في غزة بأرجلهم.
حتى الآن، سياسة الفصل بين القدس وبين باقي المناطق، تؤتي ثمارها، حيث لم ينضم سكان غزة والضفة الغربية الى المظاهرات بشكل واسع. كانت في غزة اخلالات بالقرب من الحدود لكن لم يتم اطلاق الصواريخ على اسرائيل، والمظاهرات في الضفة موضعية، وفي بعض الحالات وقفت اجهزة السلطة الامنية بين المتظاهرين وبين الجيش الاسرائيلي.
ظاهرة اختراق الحدود الخطيرة في غزة تم النقاش فيها بشكل منفصل. وفي اعقاب الاحداث الاخيرة قرر الجيش اقامة جدار جديد بطول 65 كم، يشبه الجدار الذي أقيم في الحدود المصرية. وهذا الجدار سيشمل وسائل الكشف عن الانفاق.
30 منزلا مُعرضة للهدم
يتبين أن الهدف الاسرائيلي ليس فقط محاصرة الاحياء في القدس الشرقية، بل فرض النظام فيها ايضا. عندما قرر الكابنت وضع 20 وحدة لحرس الحدود في القدس، كانت الفكرة أن تكون هذه القوة الكبيرة جاهزة للدخول الى تلك المناطق في شرقي المدينة التي غاب فيها النظام. قلندية مثلا هي منطقة لا تهتم بها السلطة الفلسطينية لأنها تابعة للقدس، وبلدية القدس لا تجرؤ على الدخول الى هناك، والشرطة ايضا لا تدخل الى هناك. قصد الكابنت هو أن تقوم بلدية القدس، بمساعدة حرس الحدود، بالدخول الى هذه المناطق لجباية الضرائب وهدم المنازل الغير مرخصة والاهتمام بالبنى التحتية. هذا الموقف صحيح: المكان الذي فيه فراغ سلطوي تحدث فيه الفوضى ويخرج منه الارهابيون. لكن مشكوك فيه أن أحدا ينوي الدخول الى هذه المناطق بشكل جدي، والتي تم اهمالها لسنوات تحت شعار توحيد المدينة.
بعض الاعمال المطلوبة داخل الاحياء تستوجب الاعلان عن منع التجول الليلي. وهذا الامر يحتاج الى تقنيات حربية وأدوات لا توجد في حوزة الشرطة والى اعداد كبيرة من القوة البشرية لفترة طويلة. اثناء الانتفاضة الثانية حينما فرض الجيش منع التجول والحصار مرات عديدة اضطر الى تجنيد قوات الاحتياط. فهل تستطيع الشرطة القيام بمهمات كهذه في مناطق معادية ومكتظة بالسكان؟ هذا أمر مشكوك فيه.
لو كانت الحكومة جادة في كل ما يتعلق بالاهتمام بهذه الاحياء لكانت أعلنت حالة الطواريء وألقت هذه المهمة على الجيش. في الوقت الحالي تقرر أن جنود مدرسة الضباط سيرافقون الشرطة، الامر الذي سيُمكن الشرطة من توفير قوة بشرية في مناطق الاحتكاك مع السكان العرب في المدينة.
الى جانب الفصل الفيزيائي والاهتمام بالفراغ السيادي، اتخذ الكابنت عدد من القرارات لردع المخرب المحتمل. الخطوة الاولى هي اختصار اجراءات هدم منازل المخربين. وتوجد لدى الشرطة قائمة لـ 30 منزلا سكن فيها المخربون الذين قاموا بالطعن في الآونة الاخيرة، وكذلك منازل عدد من الارهابيين من الماضي القريب.
المخرب الذي كان يقف من وراء العملية في “الدولفيناريوم” في 1 حزيران 2001، سكن مع عائلته في مبنى مكون من اربعة طوابق تعيش فيه 8 عائلات. وحينما دخل الجيش الاسرائيلي الى قلقيلية في عملية “السور الواقي” قام بهدم المنزل. وبعد عملية “السور الواقي” وعلى مدى اشهر طويلة قامت قوات الامن وبشكل يومي بتفجير عشرات منازل الارهابيين – المخربون الانتحاريون ومن يرسلهم. كان لهذا الامر تأثير كبير حيث رفض الناس تأجير الشقق السكنية لنشطاء الارهاب. اضافة الى هدم المنازل تمت مصادرة الاموال التي أرسلت للعائلات لاعادة بناء ما تم هدمه.
حكومة اسرائيل تخضع في الوقت الحالي لامتحان: هل ستقوم بالفعل بهدم منازل المخربين؟ ليس منزلا واحدا كل شهر بل عشرات المنازل في اليوم؟ إن اغلبية المباني التي تنتظر الهدم توجد في داخل اسرائيل وتسري عليها قوانين مختلفة. يضاف الى ذلك أنه تم انشاء لجنة عسكرية برئاسة الجنرال المتقاعد غيورا آيلاند. وقد أبلغت اللجنة محكمة العدل العليا أن هدم المنازل هو أمر غير ناجع. كيف يمكن الآن اقناع المحكمة أنها كانت مخطئة.
اذا كانت قرارات الكابنت قد تم اتخاذها لاعتبارات داخلية من اجل تهدئة الجمهور، وستختفي خلال فترة قصيرة – نحن في مشكلة. إن ظهور أي ضعف وعدم التصميم هما استدعاء للمواجهة القادمة.
قنبلة موقوتة
كشف كل من “الشباك” والشرطة، مثل الجيش، عن نقاط ضعف في مجال الأمن الداخلي، حيث هناك خطر الفوضى والعنف في الاوساط المختلفة في الجمهور الاسرائيلي. الجميع يهتمون بالتحريض في الشبكات الاجتماعية التي أغرقت سكان المناطق وشرقي القدس. لكن الجهات التي تتابع الشبكات الاجتماعية في اسرائيل كانت متفاجئة من حجم التحريض والكراهية باللغة العبرية.
التحريض في الوسط اليهودي وجد تعبيره في مظاهرات المتطرفين في المدن، وفي الاعتداء على العرب. بعد قتل الزوجين هنكن نفذ اليهود أكثر من 160 اعتداء عنيف ضد الفلسطينيين في المناطق – بدء بالحاق الضرر بالممتلكات واحراق المزروعات ومرورا بالدخول الى المناطق الفلسطينية وانتهاء برشق الحجارة على السيارات واخراج المسافرين منها والاعتداء عليهم. وقد اتسعت دائرة المشاركين في ذلك ولم تقتصر على شبيبة التلال أو “تدفيع الثمن”.
عشية العيد بدأ تراجع الاعمال اليهودية المعادية في الضفة، وانتقل الغضب الى داخل الخط الاخضر. ومن خلال الشبكات الاجتماعية خرجت مجموعات على أساس كراهية العرب والأغيار. وهنا نشأ التواصل بين الكهانيين في الخليل وشباب هامشيين من القدس، لم تكن بينهم صلة في الماضي، بدأوا ينسقون فيما بينهم عمليات الاعتداء على العرب.
التحريض ليس ضد العرب فقط، بل ضد ضباط في الشرطة وموظفي النيابة العامة واعضاء كنيست ووزراء، وايضا ضد رئيس الحكومة. إن التحريض الاسرائيلي في الشبكات الاجتماعية تضاعف منذ بداية السنة قياسا بعام 2014. ونجاح “الشباك” في الكشف عن المتمردين الذين يؤيدون مئير ايتنغر، أدى الى افشال محاولات قيام اليهود بالعمليات. لكن موجة الكراهية في الشبكات الاجتماعية وعمل تلك المجموعات في المدن الكبرى وداخل الخط الاخضر، كان وما زال قنبلة موقوتة في المجتمع الاسرائيلي.
يديعوت